“دوائر العطش”* كنموذجٍ للكتابة في عصر الإنترنت! ،،، رائد الحواري/ فلسطين

أقلام وآراء ثقافة

يمثل هذا الكتاب للكاتب الفلسطيني “فراس حج محمد” نموذجا للكتابة في عصر الإنترنت، فنصوصه مختزلة جدا، تناسب مطلب جمهور الإنترنت، الذي يريد معلومة أو فكرة مختزلة، وأيضا تلبي عواطفه تجاه المرأة، من هنا يجمع لنا الكاتب هذين الأمرين في كتابه “دوائر العطش”، فنجد المرأة هي المحور الرئيسي الذي يتحرك به من خلال السارد.

cirkel

لقد تجاوز عدد النصوص مائتتن وخمسين نصا، غالبيتها تتحدث عن المرأة، والقليل جدا من النصوص تحدث عن الوطن، أو خارج دائرة المرأة.

جاءت لغة النصوص لغة أدبية، فكاتبها شاعر ويمتلك القدرة على الصياغة الأدبية بشكل متقن وجميل، فيصف لنا المرأة التي يعشقها/يريدها بهذا الوصف: “هي أجمل امرأة وأطيبها قلبا، وألذها شهوة،… وتروق لي شهوتها المتفتحة الناضجة، كأنها سفر حكمة أو تفاحة من يقين، تغفو على ساعدي شبه غزالة ناعمة تتنفسني وجدا وأتنفسها عطرا” ص9، صورة ناعمة وجميلة للمرأة التي يحلم بها السارد، فهي ليست صاحبة جمال فتّان وحسب، بل ويحمل ذلك الجمال أسباب المعرفة والحكمة، وهذا ما يجعلها امرأة نادرة متميزة.

ما يلفت النظر في هذه النصوص أن الكاتب عندما يريد أن يقدم العلاقة الناجحة والسليمة مع المرأة وبشكل إيجابي فإنه يستخدم صيغة (أنا)، ولكنه عندما يريد أن يتناول تلك العلاقة بصورة سلبية كعلاقة غير مكتملة/ناقصة/منتهية، فكان يستخدم صيغة (هو). يقول في نص “هي وهو” “هي لا تفكر فيه، تكرهه قليلا، لا تريده حبيبا ولا صديقا، ولا لاعبا احتياطيا، هذا ما حدث مع آخر رسالة كتبها لها، وهذا ما تم مع آخر رد لها” ص58، فالسارد هنا يريد لنفسه الكمال/تنمية لعلاقته بالمرأة/ لكنه يرى في الـ(هو) نقيضه، غير المحبوب/الناقص/العابر.

لا بد من أن يترك الواقع الذي يعيشه الإنسان أثرا في نفسه، وإن كان لا يعي هذا التأثير، فـ “فراس حج محمد” في هذا الكتاب وقع تحت تأثر عصر الإنترنت، فنجد العديد من الصور لهذا التأثر من خلال قوله: “أغلق جهاز “اللاب توب” ص76، “ينقذه جدارها على الفيس بوك لتناجيه يوما” ص79، “تفقد كل مصبّات البريد، في (الهوتمل)، وفي (الياهو)، وا(لجيميل)، وعلى الفيس بوك بصفحاته المتعددة” ص105، وهناك العديد من هذه الكلمات التي تشير إلى أن الكاتب عندما كتب هذه النصوص كان فريسة هذا العصر، فلم يستطع أن يكتب في هذه المجموعة ما هو خارج عصر الإنترنت والسرعة والمعلومة القصيرة.

من المواضيع القليلة التي استطاع السارد أن يقدمها لنا خارج موضوع هيمنة المرأة، كان الوطن والإنسان، ويمثل هذا اختراقا لحصار المرأة للسارد، يقول: “يذهب إلى عمله، يأتيه الموت بسلاسة نادرة، تعلنه حركته شهيدا” ص64، “يظل يحلم بالعيد، ليجنب صغاره مرارة التشرد” ص65، فنجد هنا حتى موضوع الوطن تم تناوله بشكل يتناسب مع عصر الإنترنت، فلم يستطيع الكاتب أن يتحرر من شكل الكتابة، علما بأنه تحرر من هيمنة المرأة، وهذا الأمر يعكس النزعات/الهواجس/الأفكار التي تؤرق الكاتب، فالمرأة تمثل له هروبا إلى الأمام، وفي المقابل فإنّ الواقع لا يمكن أن يتم محوه كاملا، فيبقى له بعض التأثير فيما يكتبه.

كما نجد بعض المشاهد السريالية، التي توجب على المتلقي أن يتوقف عندها، فهي ليست سهلة الهضم، كما يتطلب العصر، فيقول في نص بعنوان “رغوة في البال” “كنا ثلاثة شخوص، أنا وظلي والوقت، تصارعنا على إنجاز العمر بأقل التكاليف، فانتبه الظل لمكيدة محققة، فغادرنا، ليحضر سخريته بعيدا عن شبحي المسجى على ناصية الوقت” ص27، ففي المشهد السابق التداخل واضح بين الشخصيات، أنا/الظل/ الشبح/ الوقت، ففي مثل هذه النصوص كان السارد يتمرد على العصر الذي يكتب فيه، وكأنه يقول رغم انسياقي وراء العصر، سيبقى لي جزء أو هامش أتنفس من خلاله.

ومن جانب آخر حاول الكاتب أن يخترق شكل الكتابة الموجزة، فيتجاوز الشكل الذي بدأ به كتابه، من خلال محاولته تقديم قصص شبه كاملة، التي بدت واضحة في “يوميات كاتب يدعي(X)” فهنا كانت النصوص أقرب إلى القصة القصيرة، وهي من أنضج ما في المجموعة على صعيد الحبكة. كما أنّ هناك بعض الحكم التي جعلت النص يُسْتمتع به، ويلبي طموح القارئ النهم، فكانت الحكم: “كل البلاد والعباد حواجز، حتى الجسد أصبح حاجزا، أحاول أن أنادي الحرية فلم أستطع” ص18، وقدّم لنا الكاتب كذلك مجموعة من الحكم عددها (23) توجب على المتلقي التوقف عندها ليتمتع بها، وهي في اعتقادي خلاصة تجربة الكاتب عن الحياة.

أما التأثر بالقرآن الكريم فكان واضحا في هذه النصوص، “أنك لن تستطيع معي صبرا” ص30، و”همّت به لولا أن رأت برهانها” ص31، “وخضت مع الخائضين” ص67، وهذا يشير إلى ثقافة الكاتب الدينية وقدرته على استخدم النص القرآني في سياق جديد، يفتح آفاقا أمام القُرّاء من أصحاب الثقافات الأخرى؛ لكي يتقدموا من النص القرآني لينهلوا منه.

ختاما أنوه للعلاقة الوطيدة بين صورة الغلاف والمضمون، فالغلاف عبارة عن فتاة ترقص باليه، وليس رقصا شهوانيا، وهذا يتماثل مع الصور التي قدمها لنا الكاتب عن المرأة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* المجموعة من منشورات دار غراب، القاهرة، طبعة أولى، 2015.