الخليل: الوجه القبيح للاحتلال ،،،بقلم: باتريك ستريك لاند /ترجمة: رائد عوض قدورة

أقلام وآراء

يقطع هذا الشارع الملتف والمعبّد حديثاً ركّاباً من القدس إلى الخليل، المدينة الواقعة في قلب الضفة الغربية.

يعتبر هذا الشارع، شأنه شأن 80% من الشوارع الرئيسية في الضفة الغربية، من الشوارع التي يحظر على الفلسطينيين استخدامها. بنيت هذه الشوارع على أراضٍ فلسطينية خاصة وصادرتها قوات الدفاع الإسرائيلية. وعملت هذه الطرق السريعة على الفصل بين القرى والمدن الفلسطينية ووضعها في تجمعات منعزلة كثيراً ما  تسمى الـبانتوستانات.

تمر الحافلة من نقطة التفتيش الأولى التابعة للجيش. وتنبأنا بما تقصده  الحكومة الإسرائيلية فيما يتعلق بحل الدولتين ونحن على وشك الخروج من نقطة التفتيش. غادرنا عبر مناطق جبلية.

أرى مستوطنة إسرائيلية كبيرة على يميني فيها ملاعب وشبكات كهرباء ومياه. تبدو كما لو أنها ضاحية صغيرة من ضواحي جنوب كاليفورنيا في قلب فلسطين.

وحتى نرى المزيد، واصلنا المسير. وكانت المسافة بين المستوطنات الإسرائيلية والقرى الفلسطينية كبيرة.

رأيت عدداً من المدرعات، وعلى إحدى التلال يقف عدداً من الجنود يحملون في أيديهم مناظير رؤية وأسلحة من طراز M-16. يبدو وكأنهم ينوون القيام ببانوراما واسعة في تلك التلال.

كل ما أستطيع رؤيته في تلك التلال هو صورة طفل يركب ظهر حماره، ويقوده بصبرٍ رجل كبير السن شاحب الوجه يلف رأسه بكوفية.

دخلنا تلال الخليل الجنوبية ومررنا عن سوسيا، وهي قرية صغيرة من الخيام والكهوف. نزح سكانها من القرية بعد هدمها  خمسة مرات منذ عام  1985 على يد الجيش الإسرائيلي.

دخلنا البلدة القديمة في مدينة الخليل، ووصلنا إلى المحطة الأخيرة فيها وهي شارع الشهداء. حيث يقيم هناك حوالي 500 مستوطن إسرائيلي وسط أكثر من 165 ألف فلسطيني.

من بين المستوطنين البالغ عددهم أكثر من 350 ألفاً في الضفة الغربية، يعتبر أولئك الذين يقطنون مدينة الخليل من أكثر الذين يهاجمون المدنيين الفلسطينيين. في الواقع، بات من الشائع أن يطلق المستوطن الإسرائيلي العنان لنفسه لكي يطلق النار على المدنيين الفلسطينيين بشكل عشوائي.

في عام 1994، قام المستوطن باروخ جولدشتاين المولود في مدينة نيويورك الأمريكية وأحد مستوطني مستوطنة كريات أربع بالدخول إلى الحرم الإبراهيمي في الخليل وهو حرمٌ مشهورٌ بقدسيته لدى المسلمين واليهود، وأطلق النار على المصلين بشكل عشوائي حتى نفذت ذخيرته مما أسفر عن مقتل 29 منهم وإصابة 125 آخرين. ومن ثم قام عددٌ من المصلين ممن بقوا على قيد الحياة بالهجوم عليه وانهالوا عليه بالضرب حتى الموت.

ومنذ عام 1994، وصل ما يقرب من 10 آلاف من المتشددين اليهود للحج إلى قبر جولدشتاين للاحتفال بالمجزرة التي قام بها.

وينمو في الخليل أكثر الفصائل الفلسطينية تطرفاً في المجتمع الفلسطيني. في عام 2001 وخلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية، اكتسبت المدينة زخماً كبيراً وذلك بعد قيام أحد المسلحين بقنص أحد أطفال المستوطنين البالغ من العمر 11 شهراً وقتله برصاصة في رأسه.

كل هذه الأمثلة تعتبر دليلاً على التطرف، فلا يكاد يمر يوم في الخليل دون اندلاع مواجهات عنيفة.

على أي حال، تندلع المواجهات في المدينة مع المستوطنين الذين يعتبرون أكثر عدوانية وعدائية من أي شخص آخر، كونهم يتمتعون بحماية صارمة من جنود جيش الدفاع الإسرائيلي البالغ عددهم حوالي ثلاثة آلاف جندي يتمركزون في المدينة وحولها.

تبدو البلدة القديمة في الخليل كمدينة أشباح حقيقية. وتعمل الأسلاك الشائكة على إعاقة حركة السير في شارع الشهداء. كان السوق العربي المكون من ألفي محل تجاري مغلقاً حتى فترة طويلة، مما اضطر الأسواق الفلسطينية للاعتماد على المساعدات الدولية. وتراجع الاقتصاد في المدينة بفعل عمليات الإغلاق.

لم تكن مدينة الخليل واقعة ضمن السيطرة الإسرائيلية في أي اتفاق لحل الدولتين، لكن الإعلام الإسرائيلية منتشرة على طول شارع الشهداء.

وتعتبر مدينة الخليل مفصولة كلياً. حيث يحظر على الفلسطينيين دخول شارع الشهداء بدون تصريح رسمي من الجيش الإسرائيلي. ويجب على الأطفال الذين يقطنون البلدة القديمة في الخليل أن يسيروا من خلال طريق المقبرة للوصول إلى مدارسهم كل يوم. كما يُجبر الفلسطينيون على السير في شوارع ضيقة جداً وصعبة، في الوقت الذي يُمنح فيه المستوطنون الحرية الكاملة للسير في شوارع البلدة الواسعة.

يقوم المستوطنون الإسرائيليون كل يوم سبت ( وهو يوم إجازة رسمية) بالهجوم على المحال التجارية للسكان العرب ويسخرون منهم ملوحين بالأعلام الإسرائيلية. فعلى الرغم من أن القانون الإسرائيلي يمنعهم من الدخول إلى هذا الجزء من مدينة الخليل، إلا أنهم يدخلون برفقة جنود مدججين بالسلاح يقومون بحمايتهم.

وامتلأت مدرسة ابتدائية للبنات بكتابات على الجدران ضد الفلسطينيين تقول ” الموت للعرب”. ووقعت تلك الكتابات باسم” رابطة الدفاع اليودية”. ويقول البعض بأن باروخ جولدشتاين كان عضواً في رابطة الدفاع اليهودية التي تبنت تفكيراً أيديولوجيا متطرفاً ينادي بأن  تقوم دولة إسرائيل الكبرى على أساس مبدأ القوة العسكرية.

واستبدل أحد الأشخاص كلمة إسرائيل بدلاً من فلسطين في عدد من العبارات المكتوبة على الجدران مثل: ” فلسطين ستكون حرة”  و ” فلسطين من النهر إلى البحر”.

وحتى ندخل إلى الحرم الإبراهيمي اضطررنا لاجتياز ثلاث نقاط تفتيش عسكرية إسرائيلية. ودار بيني وبين احد الجنود هذا الحوار:

الجندي: ما ديانتك؟ وطلب مني جواز سفري لكي يعاينه عليه.

أنا: لا أعرف !

الجندي: ماذا تقصد بكلامك؟

أنا: ليس لدي ديانة.

نظر الجندي إلي نظرة مريبة، وقال لي: ما هي ديانة والديك؟

أجبته: لا شيء

فقال لي: ما هي ديانة أجدادك؟

أجبته: أعتقد بأنهم كانوا مسيحيين.

لقد تم اقتطاع نصف المسجد وتحويله إلى كنيس يهودي. وبينما كان المؤذن يستعد لصلاة العشاء، كانت الرائحة الكريهة تنبعث من الجانب الآخر من الكنيس اليهودي. حيث كانوا يؤدون طقوسهم الدينية ويهتفون باللغة العبرية: ” القدس، أيتها القدس، أنتِ لنا”.

لقد كتب المستوطنون شعارات وعبارات على جدران البلدة القديمة وقالوا فيها: سرق العرب هذه الأرض في عام 1929، وذلك في إشارة إلى أعمال العنف التي وقعت في ذلك العام. حيث قتل حوالي 67 يهودياً أثناء موجة النزوح اليهودية إلى فلسطين، ممّا أدى في النهاية إلى إعادة تنظيم وتسليح عصابة الهاجاناة، وهي منظمة يهودية شبه عسكرية أصبحت فيما بعد أساس قوات الدفاع الإسرائيلية. ورفعوا شعار” نطالب بعودة ممتلكاتنا”.

تقول صاحبة أحد المحال التجارية في سوق الشهداء ” أعتبر المرأة الوحيدة التي لديها مخزن تجاري في مدينة الخليل. لقد عشت هنا كل حياتي ولدي 11 من الأولاد، لن نترك هذا المكان، هذا هو وطننا”.

جلسنا معها وشربنا الشاي لمدة ساعة، لقد أعطتنا بطاقتها التعريفية. وقالت لنا “عندما تأتون في المرة القادمة أخبروني برسالة عبر البريد الإليكتروني، نحن وعائلتي نقدم ضيافة رخيصة جداً، وهناك خصم خاص للطلاب والنشطاء”.

أخبرني ذات مرة أحد الجنود السابقين في الجيش الإسرائيلي بأن كل شخص منا يخشى دخول مدينة الخليل. لذلك، نشعر بالاشمئزاز. إنني لا أريد أن أقوم بحماية هؤلاء المستوطنين”.

ونحن في طريقنا إلى محطة الحافلات، أشار لنا أحد الرجال وهو يتكلم الفرنسية وقال لنا ” أها ، أنتم تتحدثون الإنجليزية”، فقال لنا : إنني مدرس لغة إنجليزية.

لقد استمعنا إليه وهو يتحدث عن مدينة الخليل، لقد أخبرنا عن الحياة في المدينة قبل الانتفاضة الفلسطينية الثانية، والتي استخدم خلالها الجيش الإسرائيلي أقسى أنواع العنف. وقبل أن نغادر، قال لنا: أشكركم على زيارة مدينتي ولكن تذكروا: جميعنا بشر، وجميعنا يستحق أن يعامل نفس المعاملة. يجب علينا أن نحترم بعضنا البعض، وإلا ما فائدة وجودنا على هذه الأرض؟”.

كاونتر بنتش  (The Counter Punch) نشرة إخبارية سياسية إلكترونية أمريكية يسارية

بقلم: باتريك ستريك لاند، كاتب متنقل بين الخط الأخضر والأراضي الفلسطينية.

1 thought on “الخليل: الوجه القبيح للاحتلال ،،،بقلم: باتريك ستريك لاند /ترجمة: رائد عوض قدورة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *