“ذاكرة لا تصدأ” لـ” الإعلام” و”اللجنة الشعبية”: الثمانيني عرجا: هكذا كان “الأقصى” قبل النكبة…
طوباس / بال نيوز : رسمت الحلقة (59) من سلسلة “ذاكرة لا تصدأ” لوزارة الإعلام في محافظة طوباس والأغوار الشمالية، واللجنة الشعبية للخدمات في مخيم الفارعة، ذكريات أول زيارة للحرم القدسي الشريف للثمانيني محمد صالح عرجا، قبل النكبة.
وعاد الراوي اللاجئ بقلب مشتعل بالشوق إلى صيف عام 1943، حين رافق والده التاجر وأصحابه أتباع الفرقة الصوفية إلى المدينة المقدسة، وقال: انطلقنا من بلدتنا الفالوجة، قضاء غزة في  شاحنة ألمانية، وتوقفنا في الخليل، وزرنا المسجد الإبراهيمي الشريف، وصلينا فيه، قبل أن نكمل المسير إلى القدس، ونمضي في المسجد الأقصى وساحاته ليلتنا، ونعود ظهر اليوم التالي.
ووفق عرجا، فإن القدس كانت موحدة بغربها وشرقها، وقليلة السكان، ولم تكن محاطة ببنايات وعمارات مرتفعة، وبالكاد تمر من شوارعها سيارات ومركبات، فيما اصطبغت باللون الأخضر؛ بفعل الأشجار المحيطة فيها، وكانت حارة المغاربة قائمة، فيما حظي الزائرون بانتقاء الباب الذين سيدخلون منه، ولم يعترضهم أحد، أو يطلب منهم إثبات شخصيتهم، مثلما لم تكن زيارتها شائعة في رمضان؛ لعدم انتشار الحافلات، ولبعدها الجغرافي عن غزة.
“صخرة” وقش
وتابع: حين كنا نصعد إلى منطقة قبة الصخرة، كنا نرحل بعيوننا بعيدًا، فنشاهد القرى والبلدات القريبة، وتمتعنا بالدخول والخروج من باب المغاربة، وكان حائط البراق غير شائع الصيت، وغابت من السور الجنوبي أي فتحة، وأخذ الشيخ يوسف تويهي، الذي يرافقنا بتعريفنا إلى أقسام المسجد، ولم يكن فرشه من السجاد، بل غطيت الأرضيات بحصر القش.
أنهى عرجا، الذي أبصر النور في تشرين الأول  1934، جولته الأولى بعد يوم وليلة، واحتفظت ذاكرة الطفل ابن السنوات التسع طويلاً بأنواع الحلاوة التي اشتراها لعائلته، وصار يتذكر القبة الصفراء للصخرة، والعدد القليل من المصلين في باحات الحرم.
يواصل:  عدت إلى القدس مرة ثانية قبل النكبة، فرافقت في صيف 1946 ابن عمي حسن لزيارة والدي، الذي اعتقله جنود الاحتلال البريطاني، وحكموا عليه بالسجن ستة أشهر؛ بتهمة ألصقت به تدعي حيازة مسدس وجد بالقرب من مكان مسيره.
زار الراوي والده في سجن اللطرون، واشترى لعائلته الحلاوة القرعية، واللوزية، والنفاشة، ولم يكن كعك القدس قد ذاع صيته بعد، أما الأبرز في حواري زهرة المدائن، فكانت الأثواب المزركشة والمُعلّقة على أبواب المتاجر، والمجموعات الصغيرة من السياح الأجانب، الذين لم يتوافدوا كثيرًا؛ بسبب صعوبة المواصلات.
غروب “المغاربة”
أقصت النكبة عرجا عن مسقط رأسه، ووصل إلى مخيمات أريحا، وصار يحرص على تكرار زيارة المدينة مع رفاقه، ويمضون أوقاتً كل أسبوع في حارة النصارى، لكن نكسة حزيران بّدلت حال القدس، الذي هدم حارة المغاربة، وأغلق بابها، وصار يدعي بأن البراق له، وغيّر اسمه ومعالمه. ثم فتح بابي الخليل ودمشق.
يفيد: بعد النكبة سقط القسم الغربي من المدينة، وأقيمت (منطقة حرام) من باب العمود، مرورًا بمجمع الحافلات، وحتى مستشفى العيون، وصارت تعرف  ببوابة (مندل بوم)، وهو حاجز بين شطريها، استمر  بين أعوام 1949 حتى 1952، ويقع إلى الشمال مباشرة من الطرف الغربي للبلدة القديمة في القدس وعلى طول الخط الأخضر، وأصبحت البوابة رمزا لحالة تقسيم المدينة وحصارها.
يواصل عرجا، سمعنا أن منطقة البوابة  تحولت إلى مكان للقاء العائلات المشتتة بين قسمي فلسطين المحتلة، وشاهدت المنطقة قبل أن تختفي، لكن الاحتلال صار يحاصر المدينة، ويدمرها بكل الأشكال، وحين زرتها أخر مرة خلال رمضان الفائت، صرت أقارن كيف تغيّر حال المدينة والمسجد إلى الأسوأ، ثم صرنا نسمع عن بوابات إلكترونية، وكأن من يريد الدخول إليها يعبر مطاراً أو  قاعدة عسكرية، ولا يدخل إلى الصلاة والعبادة والدعاء!