عاصم دراغمة:  كيمياء الضفتين وعربية الجزائر ..
طوباس / بال نيوز :  تتبعت الحلقة الخامسة من سلسلة ( نور) لوزارة الإعلام بمحافظة طوباس والأغوار الشمالية بالشراكة مع التربية والتعليم مسيرة المربي عاصم توفيق دراغمة، الذي عمل مدرسًا لأربعة وأربعين عامًا.
“توجيهي”
وأعاد الراوي عجلة الزمن إلى الوراء، حين كان طالبًا في المدرسة الخضراء بحي العجمي في يافا، التي عمل فيها والده قبل النكبة، لينتقل بعدها إلى مقاعد التعليم بطوباس فنابلس، ثم يصبح مربيًا بين ضفتي نهر الأردن.
وقال، وهو يتجول في أول مدرسة بطوباس احتضنته طالبًا ومدرسًا ومديرًا: عام 1949 كنا نتعلم مع أجيال مختلفة في صف واحد، وكان المدرسون: مشهور الخضيري، وكامل وجميل أبو مدّراج، والشيخ حسن يتجولون بين المقاعد، ويوزعون علينا الواجبات بالتناوب، ودرست حتى الصف السابع في طوباس، ثم انتقلت إلى المدرسة الصلاحية بنابلس، التي تلقيت فيها الدروس حتى الرابع الثانوي ( تحول لاحقًا إلى الثالث الثانوي)، ووقتها لم يكن امتحان التوجيهي معروفًا، وعام 1959 انتقلت إلى مدرسة النجاح (قبل أن تصير جامعة)، وأكملت (التوجيهي المصري) في الفرع العلمي، وانتقلنا لتقديم الامتحان في القدس، ووقتها حضر معلمون مصريون لفحصنا بالمدرسة الإبراهيمية بالقدس.
بعثة
أنهى دراغمة (التوجيهي) في صيف  عام 1959، وفي خريف السنة ذاتها عٌين معلماً في مدرستي الطرة والشجرة بقضاء إربد على الأردنية- السورية، وتخصص في تدريس الفيزياء والأحياء والعلوم، ونقل إلى مدارس بديا ودير استيا اللتين كانتا تتبعان نابلس، واختير مبتعثًا لتعليم طلبة الصفوف العليا بمدينة شرشال الجزائرية اللغة العربية، في سياسة التعريب، بعد وقت قصير من انتهاء الاستعمار الفرنسي، ويومها كان ينقل للجزائريين  طريقة المربي خليل السكاكيني (راس روس) في لغة الضاد، التي كانوا يجهلونها بفعل الاحتلال الطويل وسياساته.
يواصل: عدّت إلى طوباس عام 1965، وبدأت التدريس فيها، وانتسبت لجامعة بيروت العربية، ونلت عام 1976 شهادة الإدارة والاقتصاد، وأكملت الدبلوم العالي في التربية بالوطن بعد خمس سنوات من جامعة النجاح.
امتهن دراغمة، الذي أبصر النور بيافا في شتاء عام 1938،  تعليم العلوم  وأقسامها: الفيزياء، والكيمياء، والأحياء، وشهد تدشين صفوف (التوجيهي) في الفرع الأدبي  بطوباس عام 1964، ثم القسم العلمي بعد ثلاث سنوات، ووقتها توقف الطلبة عند الانتقال لنابلس لإكمال المدرسة. وظل يدرس في مدينته حتى آذار 1983، يوم أصبح مديرًا لأول مدرسة فيها، كانت تضم 18 صفًا.
اقتصاد
يسرد: أبرز ما كانت تضمه المدرسة الحدائق وفقاسات الدواجن، فقد كنا في مادة التعليم الزراعي ( متعلمين ومعلمين) نحصل على قطعة  من الأرض، نتنافس على زرعها بمختلف المحاصيل كالبصل والفول والحمص والعدس، ويحصل الطلبة الأكثر تنظيمًا وإنتاجًا على أعلى العلامات ويحظون بعائد الحديقة، مثلما ينعمون بالدواجن التي تنتج في الفقاسة، أما أشجار التفاح واللوزيات وخاصة الدراق، فكانت كانت تحيط بالحديقة كالسوار في معصم، وتتميز بإنتاجها الوفير، وأشرف عليها المعلم عبد الله الزواتي، وكان آذنها سعد الله أبو الناجي، تبعه سليمان أبو السميح ثم أبو هاني. وكانت تمتد على نحو 10 دونمات، صارت الإدارة تؤجرها لمزارعين بنحو 300 دينار سنويًا، قبل أن يتوقف التعليم الزراعي وينتهي عصر الحديقة المدرسية عام 1979.
عمل الراوي في التعليم الحكومي حتى  آب  1999، ثم انتقل مشرفًا تربويًا في بطريركية اللاتين بالزبابدة، وبدل الوجهة بعد سنتين إلى الأكاديمية الفلسطينية- الأمريكية، التي أسسها أحد تلاميذه عدنان مجلي بعد أن أصبح عالمًا ذائع صيت في الولايات المتحدة الأمريكية.
أحياء
واللافت في تجربة المربي دراغمة، أنه كان يذهب إلى مدرسة قدري طوقان بنابلس للاستماع إلى شرح الأستاذ سليم اشتية، ليعود بأساليبه وأمثلته ومعارفه الجديدة فيغرسها في طلبته، وليحصل طوال تدريسه على نسبة نجاح في الأحياء بنسبة 100%، وليكون بين خريجه قائمة طويلة من الأطباء والمهندسين والعلماء، من بينهم : د. عدنان مجلي ( عالم أكتشف علاجًا للزهايمر)، ود. رياض صوافطة ( مُخترع وعالم نووي وفيزيائي بالولايات المتحدة) ، ود. سالم أبو خيزران (الطبيب ذائع الصيت في علاج العقم)، الذين لا زالوا يكنون له الاحترام، ويعترفون بفضله عليهم.
يسترد: عُينّت في الدرجة العاشرة، وحصلت على أول راتب بقيمة 22 دينارًا و24 قرشًا، كنا نستلمها من البنك الأهلي الأردني، وندفع منها ديناراً ونصف بدل استئجار غرفة في قرى أربد، ونصرف 3 دنانير، ونرسل الباقي لأهلنا والطريف أن من أسككنا في بيته، علمنا ابنه خضر جنايدة، الذي صار لاحقًا رئيس قسم الكيمياء في جامعة اليرموك.
تدرّج دراغمة في سلم الوظيفة، وبعد 3 سنوات انتقل للدرجة العاشرة بـ 27 ديناراً، منحته الدرجة الثامنة 32 دينارًا، فتغير الحال إلى 34، وبعد النكسة حصل على 36 ديناراً، وكان أول راتب أعقب الاحتلال 900 شيقل، ظلت تتضاعف، لكن قفزت معها الأسعار، وقلت فيها قيمة النقود كثيراً.
طرائف
يقول: الطريف أننا كنا نفصّل البذلات الرسمية بالتقسيط، وكانت الواحدة تكلفنا 9 دنانير، نعطي صاحبها الخيّاط هارون الرشيد بنابلس دينارًا كل شهر، وهي نقود كانت كفيلة بإطعام أسرة طوال الشهر، في وقت كان أغلى دونم أرض لا يتجاوز 150 ديناراً في أرقى أحياء نابلس. وكان الخروف يكلف 5 دنانير، وكيلو اللحم خمسة قروش.
ومما لا ينساه السارد ما وقع في رحلة للمعلمين، فعام 1959 خرج الزملاء في رحلة إلى تل الشهاب على الحدود الأردنية السورية، وكان المربي عبد الله الشوبكي قد اشترى حذاء جديدًا كلفه دينارين  من أشهر محلات أربد (كوت كوت)، وحين كان يهم بقطع النهر،  فقد نصف الحذاء في النهر، فصار يلح على رفاقه أن لا يعجلوا الرحيل، حتى يستطيع المشي بـ”فردة” واحدة، ففعلوا، ونزل من الحافلة قبل قريته، وأرسلوا له حذاء بديلاً، حتى عاد لمنزله.
يوالي:  خلال عملي في أربد، طلب مني المدير زهدي الأدهم تدريس المجتمع العربي، البعيد عن اختصاصي، فوافقت، ولم أكن أحضر للمادة الإضافية، وحدث أن زارني المفتش د. راضي عبد الهادي، وطلب أن يشاهد تحضيري، فأخبرته بأن المادة ليست من تخصصي، وهي لسد العجز في المدرسة، فعلّق بالقول: عليك أن تعطي لكل شيء حقه.
وتابع دراغمة: دخلت الصف مرة، ووجدت كيسًا ورقيًا على طاولتي، وكان يتحرك،  فاكتشفت أن أحد الطلبة أحضره زوجين من الأفاعي، فخفت، وأجبرته على الإمساك بهما، وتصادفت الحادثة بزيارة رئيس البلدية محمد عبد الرحمن، و”حاكم الاحتلال العسكري” للمدرسة، وطلبا مني تحنيط الأفاعي، فاستعنت بالطالب المشاغب.
مما لا ينساه الراوي، التغيرات العديدة التي عصفت بالمدارس، التي كانت تجبر الطلبة على التخلي عن شعرهم حتى الصف السابع، وتشجعهم على المنافسة بالحديقة والفقاسة، وتشعل بفيهم روح المنافسة، وتجعلهم يبدون احترامًا كبيرًا للمربين.
ينهي: أتلفت الهواتف النقالة روح المعرفة، وتراجعت هيبة المعلمين، وصارت المناهج أقل زخمًا، وتضخمت العلامات كثيرًا، كما يحدث في الثانوية العامة.
توثيق
بدوره، أشار منسق وزارة الإعلام في محافظة طوباس والأغوار الشمالية عبد الباسط خلف إلى أن سلسلة (نور) التي انطلقت مطلع الصيف الحالي، تهدف إلى توثيق قصص تربوية، ومواكبة الحال التعليمي في المحافظة، وتسليط الضوء على المدارس المتميزة وتجاربها اللافتة، وقصص طلبتها الملهمة.
وأضاف: سبق للوزارة أن تتبعت حكايات تربوية في سياق برنامج “أصوات من طوباس”، كتجربة العالم عصام النمر، الذي عمل في وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) وأطلق أول قمر صناعي إلى الفضاء، ومبادرة التربوي عوني ظاهر الذي جمع تراثًا تعليميًا عمره مئة عام، وإبداعات بنات طوباس الثانوية بناديهن العلمي وزراعتهن المائية ومدرستهن المزينة بالأزهار والورود.